محمد بيومي مهران

71

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

ذلك من سوئه مبلغ نقص الماء ، ذلك أن النهر إن هبط عن معدله الطبيعي ، فهي « الشدة » التي قد تصل إلى « المجاعة » ، وإذا كان الفيض المغرق يعني الطاعون ، فإن المجاعة كانت تعني « الموتان » الذي يصل إلى حد نشر معه الطاعون بدوره بعد ذلك حتى يتناقص السكان بدرجة مخيفة « 1 » . على أن إنحباس النيل ونضوب موارد الدولة ، إنما كان وثيق الصلة بما كان ينزل بها من الضعف السياسي ، وتحلل السلطة المركزية ، وتدهور الأمن واضطراب النظام ، فيكون شيوع الفساد وانتشار الجريمة مع القحط والجوع ، شرا مستطيرا ، وشقاء متصلا ، يحل بالناس فيترك في نفوسهم وعقولهم أثرا لا يمحي أو لا يكاد يمحي « 2 » . ويقدم لنا التاريخ أمثلة كثيرة لانخفاض النيل في مصر قبل وبعد عصر يوسف الصديق عليه السلام ، وما ينتج عن ذلك من كوارث اقتصادية ، ومن أشهر الأمثلة ما حدث على أيام الثورة الاجتماعية الأولى ( الأسرات 7 - 10 ) يقول « نفرتي » : لقد جف نيل مصر حتى ليخوضه الناس بالقدم ، وسوف يبحث الناس عن الماء لتجري عليه السفن فيجدوا أن الطريق قد صار شاطئا ، وأن الشاطئ قد صار ماء « 3 » » ، ومن ثم فقد رأينا من نفس الفترة شريفا من الصعيد هو « عنخ تفي » حاكم « نخن » ( البصيلية - مركز أدفو بمحافظة أسوان ) يتحدث عن سني المجاعة فيقول إنه أمد خلالها مدنا أخرى ، إلى جانب مدينته ، بالهبات والقمح ، وقد امتدت دائرة نشاطه حتى دندرة ، في مقابل قنا عبر النهر ، وبذا أنقذ الصعيد الجنوبي الذي كاد يموت جوعا ، وكاد كل رجل فيه أن يغتال أطفاله « 4 » » . على أن المصريين قد اكتسبوا من ذلك حكمة التجربة وحسن التدبير ،

--> ( 1 ) جمال حمدان : شخصية مصر - القاهرة 1970 ص 241 - 245 . ( 2 ) أحمد عبد الحميد يوسف : المرجع السابق ص 56 . ( 3 ) A . Erman , LAE , 113 . p ، 1927 . ( 4 ) A . Gardiner , Egypt of the Pharaohs , 111 . p ، 1961 .